ابن قيم الجوزية

122

الروح

يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه ، ولا يحج مع قدرته على الحج ، ولا يؤدي ما عليه من الحقوق مع قدرته عليها ، ولا يتورع من لحظة ولا لفظة ولا أكلة ولا خطوة ، ولا يبالي بما حصل المال من حلال أو حرام ، ولا يصل رحمه ، ولا يرحم المسكين ولا الأرملة ولا اليتيم ولا الحيوان البهيم ، بل يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ، ويرائي العاملين ويمنع الماعون ويشتغل بعيوب الناس عن عيبه وبذنوبهم عن ذنبه . فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسب كثرتها وقلتها وصغيرها وكبيرها . ولما كان أكثر الناس كذلك ، كان أكثر أصحاب القبور معذبين ، والفائز منهم قليل ، فظواهر القبور تراب ، وبواطنها حسرات ، وعذاب ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنيات ، وفي باطنها الدواهي والحيات ، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها ويحق لها وقد حيل بينها وبين شهواتها وأمانيها ، تاللّه لقد وعظت فما تركت لواعظ مقالا ، ونادت يا عمار الدنيا لقد عمرتم دارا موشكة بكم زوالا ، وخربتم دارا أنتم مسرعون إليها انتقالا ، عمرتم بيوتا لغيركم منافعها وسكناها ، وخربتم بيوتا ليس لكم مساكن سواها ، هذه دار الاستباق ومستودع الأعمال وبذر الزرع ، وهذه محل للعبر ، [ فإما روضة ] « 1 » رياض من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار . المسألة العاشرة [ الأسباب المنجية من عذاب القبر ] جوابها أيضا من وجهين : مجمل ومفصل . أما المجمل : فهو تجنب تلك الأسباب التي تقتضي عذاب القبر ومن أنفعها أن يجلس الرجل عندما يريد النوم للّه ساعة يحاسب نفسه فيها على ما خسره وربحه في يوم ، ثم يجدد له توبة نصوحا بينه وبين اللّه ، فينام على تلك التوبة ، ويعزم على أن لا يعاود الذنب إذا استيقظ ، ويفعل هذا كل ليلة ، فإن مات في ليلته مات على توبة ، وإن استيقظ استيقظ مستقبلا للعمل مسرورا بتأخير أجله حتى يستقبل ربه ، ويستدرك ما فاته ، وليس للعبد أنفع من هذه النومة ، ولا سيما إذا

--> ( 1 ) زيدت على المطبوع .